من الأريكة إلى خط النهاية
أحياناً، لا تبدأ الرحلة لأنك متحمّس أو لأن لديك خطة مثالية، بل لأنك تعبت من الشعور بأنك عالق. تعبت من الخمول، ومن ذلك الضجيج الذي لا يهدأ داخل رأسك، ومن الإحساس الثقيل بأن الأيام تمضي بسرعة بينما أنت ما زلت في المكان نفسه، تؤجل التغيير وكأنه مهمة تحتاج نسخة أفضل منك كي تبدأ
ثم تأتيك فكرة صغيرة جداً، تبدو في ظاهرها عادية إلى درجة السخرية: “ماذا لو بدأت أمشي قليلاً؟ أو أجري؟” لكنها، بطريقة غريبة، تكون أكثر رعباً مما يتوقعه الناس، خصوصاً بعد سنوات طويلة من الكسل والانشغال والإرهاق وتقديم كل شيء على نفسك
البداية دائماً محرجة. تخرج للمشي أو الجري فتشعر أن الجميع ينظر إليك وأنت تلهث كأنك تخوض معركة خاسرة، بينما الناس حولك يحتسون الشاي بهدوء، ويعيشون حياتهم بشكل “طبيعي”. وفي لحظة صدق ساخرة، تسأل نفسك: “ويش قاعد أسوي أنا؟
لكن الغريب في الجري، أنه لا يمنحك لياقة فقط. أحياناً يمنحك مساحة مؤقتة للهروب من كل شيء: من ضغط العمل، ومن القلق، ومن الرسائل التي لا تنتهي، ومن الناس… وأحياناً، تهرب من نفسك لتكتشف لاحقاً أنك كنت تركض باتجاهها طوال الوقت
في البداية، كل شيء يكون صعباً. كل خطوة تتعبك، وكل نَفَس يذكّرك كم أهملت نفسك لسنوات. لكن مع الوقت، تبدأ بملاحظة حقيقة مهمة: أن المشكلة لم تكن دائماً في ضعف قدرتك، بل في أنك توقفت عن المحاولة
ولهذا تبدو فكرة برنامج مثل “من الأريكة إلى خمسة كيلومترات” جميلة جداً، لأنها لا تخاطب الرياضيين المحترفين، بل الناس العاديين. الناس الذين يعتقدون أن الوقت تأخر عليهم، وأن الرياضة لم تعد تناسبهم، وأن أجسادهم أغلقت باب التغيير منذ زمن
ومع الأيام، تحدث تغيّرات صغيرة لا يلاحظها أحد غيرك. مزاجك يصبح أخف، أنفاسك أهدأ، وصوتك الداخلي أقل قسوة عليك. وحتى علاقتك بنفسك تبدأ بالتحسن بهدوء، دون لحظة درامية واضحة، ودون إعلان رسمي بأنك أصبحت “نسخة جديدة”
وطبعاً، ستأتي أيام لا تريد فيها الخروج إطلاقاً. سيكون السرير أكثر إقناعاً من أي هدف صحي، وأي اقتباس تحفيزي، وأي ساعة ذكية تخبرك أن “اليوم فرصة رائعة للنشاط”. لكن المفارقة الجميلة أن كثيراً من أفضل الركضات… كانت تلك التي بدأتَها دون رغبة
وقد يأتي يوم تقرر فيه التسجيل في سباق. ليس لأنك أصبحت محترفاً، بل لأن جزءاً صغيراً بداخلك يريد أن يثبت لنفسه أنه قادر على إكمال شيء بدأه، حتى لو كان الخوف يرافقه طوال الطريق
وحين تصل أخيراً إلى خط النهاية، تكتشف أن الانتصار الحقيقي لم يكن في الميدالية، ولا في الوقت الذي حققته، ولا حتى في السباق نفسه… بل في الشخص الذي أصبحت عليه خلال الرحلة. الشخص الذي نهض رغم التعب، وحاول رغم الشك، واستمر رغم أنه لم يكن يظن يوماً أنه قادر على الاستمرار
فالحياة ليست سباق ماراثون… أحياناً، أصعب خطوة فيها، هي أن تنهض من الأريكة وتبدأ