حين تؤجل الحياة… حتى إشعار آخر

نحن نعيش وكأن الحياة الحقيقية ستبدأ لاحقاً… بعد التخرج، بعد الوظيفة، بعد الزواج، بعد شراء المنزل، بعد أن تهدأ الظروف قليلاً… فقط هذه المرحلة الصعبة، ثم سنرتاح

لكن الغريب أن تلك المراحل المؤقتة لا تنتهي أبداً. فكلما عبرت محطة، ظهرت أخرى، وكلما اقتربت من الراحة، ابتعدت هي أكثر… كأنك تركض خلف سراب يرتدي بدلة رسمية ويحمل قائمة مهام لا تنتهي

نقضي سنوات طويلة ونحن نؤجل أنفسنا… نؤجل صحتنا، وأحلامنا، وحتى مشاعرنا، ثم نستيقظ فجأة على حقيقة مزعجة: الحياة لم تكن تنتظرنا أصلاً

فالوقت لا يتوقف لأنك مرهق، ولا يهدأ لأنك مشغول، ولا يراعي خططك المحكمة المكتوبة في تطبيق الملاحظات

قد تستيقظ يوماً على خبرٍ يقلب كل شيء… مرض، فقدان، خذلان، أو حتى ذلك الشعور الثقيل الذي لا تستطيع تفسيره، حين تدرك أنك تمضي في الحياة بسرعة، لكنك لا تشعر أنك تعيشها فعلاً

وهنا يبدأ الهروب الكبير. بعضنا يهرب بالطعام، وبعضنا بالعمل، وبعضنا بالهاتف، أو المسلسلات، أو التسوق، أو بالانشغال الدائم… أي شيء، إلا الجلوس بصمت مع النفس

لأن المواجهة مخيفة… مخيف أن تعترف أنك تعبت، وأنك لم تعد تعرف نفسك جيداً، وأنك كنت تركض طوال الوقت… لكنك لا تعرف إلى أين

وأحياناً، لا تأتي لحظة التغيير بشكل بطولي كما تصورها الأفلام. لا موسيقى ملحمية، ولا شروق شمس بطيء فوق جبل، ولا حكيم عجوز يعطيك سر الحياة في دقيقة

أحياناً، تبدأ القصة فقط، من شخص منهك يجلس وحده، ويتساءل بصدق: “إلى متى؟” ويدرك حينها: إما أن يتغير، أو يفقد نفسه

وهذه اللحظة الصادقة تحديداً… قد تكون أهم لحظة في حياتك. لأن الإنسان لا يتغير حين يسمع النصيحة، بل حين يتعب من الهروب

ففي هذه اللحظة ترى فيها نفسك بوضوح مزعج، وتدرك أن الاستمرار بنفس الطريقة سيكلفك نفسك بالكامل

وهنا فقط، يبدأ التحول الحقيقي… ليس لأن الحياة أصبحت أسهل، بل لأنك أخيراً توقفت عن خداع نفسك

Next
Next

…حين تتحول قائمة المهام إلى قفص