حرب النشويات

ليست المشكلة دائماً في الحمية نفسها

بل في هذا الضجيج الهائل الذي يملأ الفضاء الافتراضي، حتى أصبح لكل نظامٍ غذائي نبيٌّ صغير، وجيشٌ من المؤمنين، وقسم تعليقات مستعد لخوض حربٍ أهلية كاملة بسبب حبة بطاطس

كيتو… نباتي… متوسطي… صيام متقطع

وكل طرفٍ يتحدث وكأنه اكتشف السر الذي غفلت عنه البشرية منذ بداية الخلق

ونحن نقف في المنتصف، تائهين بين النصائح، نركض خلف كل جديد، وننتقل من حميةٍ إلى أخرى، كما لو أن الحل الحقيقي سيصل هذه المرة دون صبر… ودون تعب… ودون أن نغيّر علاقتنا بالطعام أصلاً

ثم، بعد دوامةٍ طويلة من التجارب والحرمان والعودة لنقطة البداية، تبدأ الحقيقة بالظهور بهدوءٍ مزعج

ربما لم تكن المشكلة الكبرى في الدهون كما أقنعونا طويلاً

بل في تلك النشويات والسكريات التي تدخل حياتنا بلا مقاومة، وتتسلل إلى أيامنا بصمت، مختبئة في الخبز والعصائر والحلويات والمشروبات والمكافآت الصغيرة التي نعتقد دائماً أننا “نستحقها”

فالوزن لا يزداد دائماً بسبب الكمية وحدها

أحياناً، النوعية هي التي تغيّر كل شيء

والحقيقة التي لا تُسوّق جيداً، لأنها مملة جداً مقارنةً بعناوين الإنترنت الصاخبة، هي أن أفضل نظام غذائي… ليس الأكثر قسوة، ولا الأكثر شهرة، بل هو النظام الذي تستطيع أن تعيش معه على المدى الطويل، دون أن تشعر بأنك تعاقب نفسك يومياً

ليس أسبوعاً من الحماس والانهيار

بل سنواتٍ من الاتزان الهادئ

ومع ذلك، تبقى المعركة الحقيقية أبعد من السعرات والكربوهيدرات والجداول الغذائية

ففي اللحظات الهادئة، حين ينتهي اليوم، ويخفت الضجيج من حولك، يظهر ذلك الصوت الصغير من الداخل

“قطعة صغيرة… لن تضر”

وهنا تحديداً، يبدأ السؤال الذي لا علاقة له بالطعام وحده

هل نأكل لأن أجسادنا تحتاج؟

أم لأن أرواحنا متعبة وتحاول أن تهدأ بأي طريقة؟

هناك

تبدأ الحكاية الحقيقية

Previous
Previous

٢٣ ساعة ونصف

Next
Next

حين تؤجل الحياة… حتى إشعار آخر