الهدوء الذي يعقب العاصفة

حين نمرّ بفترة عصيبة، نعلّق آمالنا على يومٍ ننتظره بشغف، اليوم الذي تعود فيه الحياة إلى طبيعتها، حيث يختفي القلق الذي أثقل صدورنا، ونستعيد معه السكينة التي افتقدناها. لكن الحياة، كعادتها، لا تلتزم بالسيناريو الذي نرسمه لها

قبل سنوات، مرّ العالم بجائحةٍ لم يكن أحد مستعداً لها، وانقلبت الحياة فجأة، رأساً على عقب. عشنا جميعاً حالةً طويلة من الترقب، والاستنفار، وانتظار اليوم الذي تعود فيه الحياة كما كانت، لكي ترجع إلينا السكينة التي افتقدناها

ثم انتهت العاصفة

وعادت الحياة إلى طبيعتها فجأة، تماماً كما انقلبت فجأة، لكن شيئاً في داخلنا لم يعد بالسرعة ذاتها. كان من المفترض أن نشعر بالراحة، فإذا بنا نشعر بشيءٍ يصعب تفسيره؛ فراغٌ غريب، ثقل غامض، و إحساس بأن السعادة التي انتظرناها طويلاً لم تصل، رغم أن كل الأسباب أصبحت موجودة

ولم يكن الأمر يخص الجائحة فقط. كثيرٌ منا يعيش التجربة ذاتها بعد انتهاء أي مرحلة طويلة من الضغط. الطالب الذي ينتظر التخرج لسنوات، والموظف الذي يقضي أشهراً في مشروعٍ مرهق، والمريض الذي يخوض رحلة علاجٍ شاقة، وحتى الأب أو الأم اللذان يعيشان سنواتٍ من القلق على أحد أبنائهما. طوال تلك الفترة يكون الهدف واضحاً، وتتحول الحياة إلى سلسلة من المهام التي يجب إنجازها. لكن ما إن تنتهي الرحلة، حتى نجد أنفسنا أمام سؤالٍ لم نكن مستعدين له: وماذا الآن؟

ألا يجدر أن تأتي السكينة بعد الضجيج؟

أم أن الإنسان يستطيع أن يعتاد الضجيج أكثر مما يظن؟

كيف يتحول الاستنفار إلى الحالة الطبيعية، حتى إذا عاد الهدوء، بدا غريباً علينا؟

لعل هذا الهدوء ليس مجرد انتهاءٍ للعاصفة، بل مرحلة نحتاج أن نتعلمها كما تعلمنا الصمود أثناء العاصفة. قد نحتاج أن نتعلم كيف نملأ ذلك الهدوء بعد أن أدمنّا الضجيج، وقد نكتشف أن ضجيج أرواحنا مخيفٌ أكثر من ضجيج الجائحة، أو قد يرعبنا ذلك المارد الذي كان يسكن بداخلنا طوال الوقت، لكننا لم نسمعه، حتى سكن الضجيج من الخارج

فقط حين نتعلم ترويض ذلك المارد، والجلوس مع أفكارنا بهدوء، دون أن نسمح لها بالتهامنا، حينها ستعود لنا السكينة التي طالما بحثنا عنها

فالسعادة لا تدخل علينا وهي تقرع الباب بصخب، بل تعود بهدوء، في وجبةٍ تجمع العائلة من جديد، أو نزهةٍ لا يعكرها اتصالٌ عاجل، أو ضحكةٍ صادقة لا يشوبها قلق، أو حتى صباحٍ عادي جداّ، لا يحدث فيه أي شيءٍ استثنائي

الهدوء ليس نهاية الرحلة

بل بداية رحلةٍ جديدة

رحلة التعرّف على أنفسنا، بعد أن يتوقف الضجيج

Next
Next

متى أصبحنا نخاف الهدوء؟