متى أصبحنا نخاف الهدوء؟
سؤالٌ خطر ببالي حين لاحظت أن كثيراً منا لم يعد يحتمل بضع دقائق من الهدوء
سواءََ في غرفة الانتظار، أو في السيارة، أو قبل النوم، أو حتى أثناء الجلوس مع من نحب، نشعر بحاجةٍ غريبة إلى أن نملأ كل لحظة بشيءٍ ما. وكأن الصمت لم يعد مساحةً للراحة، بل فراغاً يجب الهروب منه. متى حدث ذلك؟
ربما لم تتغير علاقتنا بالوقت بقدر ما تغيرت علاقتنا بالانتباه. أصبح من الصعب أن نبقى مع فكرةٍ واحدة، أو حديثٍ واحد، أو حتى شخصٍ واحد، دون أن ينجذب جزءٌ من أذهاننا إلى شيءٍ آخر
فعلى سبيل المثال، تشير دراسات في علم النفس، إلى أن مجرد وجود الهاتف على الطاولة قد يقلل من جودة التواصل والشعور بالقرب بين الأشخاص، ويشتت الإنتباه، حتى لو لم تستخدمه. فالحضور الكامل ليس أن تكون جالساً أمام من تحب بجسدك فقط، بل أن يكون انتباهك معه
وبسبب هذا التشتت، أصبحنا أسرع في الرد، وأسرع في الحكم، وأقل صبراً على الاستماع. نقاطع قبل أن يكتمل الحديث، ونغضب قبل أن نفهم، ونرد قبل أن تكتمل الفكرة. وكأن عقولنا اعتادت السرعة في كل شيء، حتى في مشاعرنا
ولا يتوقف الأثر عند علاقاتنا. فقد ربطت دراسات عديدة الإفراط في استخدام وسائل التواصل بارتفاع مستويات القلق، واضطراب النوم، وصعوبة المحافظة على التركيز لدى كثير من الأشخاص. فالدماغ يحتاج إلى لحظاتٍ من الهدوء ليستعيد توازنه، كما يحتاج الجسد إلى النوم
ولعل من أجمل الطرق لاستعادة هذا الهدوء، هي العودة للقراءة، لأنها تمنح العقل فرصةً نادرة ليتوقف، ويتأمل، ويبقى مع فكرةٍ واحدة حتى نهايتها. ولهذا ارتبطت القراءة المنتظمة بتحسن الانتباه، وتهدئة الذهن، وإثراء الحوار، وتعميق فهمنا للآخرين
لا أدعو إلى هجر التقنية، فهذا ليس واقعياً. لكن جرّب تجربةً بسيطة: قبل أن تنام الليلة، اترك هاتفك في الغرفة المجاورة، وافتح كتاباً تحبه لمدة عشرين دقيقة فقط، وبعد أسبوع، اسأل نفسك سؤالاً واحداً
هل كان ينقصك المزيد من المحتوى، أم المزيد من الهدوء؟