فنجان من السكينة

الكثير منا يحتاج إلى دفعة قوية من الكافيين كل صباح، ربما لأننا اعتدنا أن نبدأ يومنا بالركض منذ لحظة إسكات المنبه

ننهض على عجل، نلتقط الهاتف، نتفقد الرسائل والمواعيد، ونستعرض في أذهاننا قائمة طويلة من المهام قبل أن يبدأ اليوم فعلياً. وكأن صباحنا لم يعد مساحةً نستقبل فيها يومنا، بل سباقاً يبدأ قبل أن نغادر فراشنا

ولكن هل سألنا أنفسنا يوماً: إلى متى ونحن نركض؟

حين نشرب فنجان الصباح، البعض يبحث عن المزيد من الطاقة والتركيز، والبعض فقط، يبحث عن طريقة أقل صخباً ليعيش يومه

ماذا لو كان هناك فنجان يمنحنا ما نحتاجه من التركيز، دون أن يضيف مزيداً من الصخب إلى صباحنا؟

ماذا لو استطاع هذا الفنجان أن يعيد ضبط إيقاع صباحنا بهدوء؟

وماذا لو كان هذا الفنجان مختلفاً، ليس لأنه مشروب سحري، بل لأن تحضيره يدعونا إلى التمهّل: مسحوق أخضر، ماء دافئ، وتحريك هادئ لا ينسجم كثيراً مع عالم لم يعد يجيد الانتظار. ففي تلك الدقائق القليلة، يصبح هذا الفنجان مساحةً نستعيد فيها إيقاعنا قبل أن يفرض علينا اليوم إيقاعه

تشير الأبحاث إلى أن اجتماع الكافيين وإل-ثيانين في الماتشا (المصنوع من أوراق الشاي الأخضر المطحونة) يسهم في تحسين الانتباه والتركيز والمزاج، مع تعزيز الشعور بالهدوء

ويحمل الماتشا أيضاً فوائد صحية أخرى، فهو غنيّ بمضادات الأكسدة، التي ارتبطت بالعديد من الفوائد الصحية

لكن القيمة الأعمق للماتشا قد لا تكمن في مكوناته وحدها، بل في الطقوس التي نصنعها حوله. هذه الطقوس التي تدعوك إلى التوقف، ولو قليلاً، قبل خوض غمار هذه الحياة الصاخبة

ولعل هذا ما يجعل الفكرة أكبر من مجرد فنجان، فليس المهم أن تحمل في يدك فنجاناً يستحق أن تصوره، بل أن تصنع حوله لحظة تستحق أن تعيشها: عادة تؤديها بوعي، أو دقيقة تستعيدها من هاتفك، أو طقس بسيط يعيدك إلى نفسك، ويذكّرك بأن البطء ليس كسلاً، وأن الهدوء ليس فراغاً، وأنك لست مضطراً إلى الركض طوال الوقت، لكي تشعر بأنك تتقدم

فالسكينة ليست في الفنجان نفسه، بل في تلك اللحظة التي نتوقف فيها عن الركض لنحتسيه

المراجع

تأثير الشاي و«إل-ثيانين» مع الكافيين في الإدراك والمزاج – مراجعة منهجية وتحليل إحصائي، 2025

الماتشا: مراجعة نقدية للدراسات البشرية والحيوانية، 2023

Next
Next

هل أنت بخير؟