هل أنت بخير؟
حين يؤلمنا جسدنا، لا نتردد كثيراً في طلب المساعدة. نزور الطبيب، ونجري الفحوصات، ونتناول العلاج، ثم نشكو لمن حولنا بما نعانيه دون أن نشعر بالخجل. لكن حين يكون الألم من نوع آخر، ذلك النوع الذي لا يظهر في الأشعة ولا تكشفه تحاليل الدم، يصبح الحديث أكثر صعوبة، وكأن ما يؤلم أرواحنا يجب أن يبقى سراً، أو أن يختفي وحده إذا تجاهلناه
لا يزال العلاج النفسي، في أذهاننا، مرتبطاً بالضعف أو فقدان السيطرة، وكأن زيارة المعالج اعترافٌ بأن الإنسان لم يعد قادراً على إدارة حياته. لذلك، قد يقضي أحدنا سنواتٍ وهو يحمل قلقه بصمت، ويخفي حزنه خلف ابتسامة باهتة، ويقنع نفسه بأن الآخرين يواجهون ظروفاً أصعب، وأن عليه أن يكون أقوى شخصيةً، أو أكثر إيماناً، أو أقلّ حساسية
هل سأل أحدنا نفسه مرة: هل القوة تعني أن تتألم وحدك؟
ربما نحن لا نخشى العلاج ذاته، بقدر ما نخشى ما قد يكشفه لنا. نخاف أن نجلس أمام شخصٍ غريب، ونحاول أن نفسر له الفوضى التي لم نستطع فهمها بأنفسنا. نخشى أن يسيء فهمنا، أو أن يصدر أحكامه علينا، أو أن نجد أنفسنا عاجزين عن التعبير عما نشعر به
نحن نخشى أن نسمع كلماتٍ ظللنا سنواتٍ طويلة، نحاول أن لا نقولها بصوتٍ مسموع
لكن العلاج النفسي ليس غرفةً للاعتراف، ولا محكمةً تُصدر أحكامها علينا، كما أنه ليس مكاناً تُقدَّم فيه حلول جاهزة لكل مشكلات الحياة. المعالج الجيد لا يخبرنا كيف نعيش، بل يساعدنا على أن نرى ما لم نكن قادرين على رؤيته وسط ازدحام أفكارنا. قد يطرح سؤالاً واحداً، فنكتشف خلفه أبواباً من الذكريات والمخاوف والعادات التي ظننا أنها لا ترتبط ببعضها، ثم ندرك أن كثيراً من ردود أفعالنا لم تبدأ اليوم، وأن بعض المعارك التي نخوضها في حاضرنا ليست سوى صدىً لمعارك قديمة لم تنتهِ بعد
وقد لا يمنحنا العلاج إجاباتٍ سريعة، لكنه قد يساعدنا على طرح الأسئلة الصحيحة. نتعلم فيه أن نسمّي مشاعرنا بدلاً من أن نهرب منها، وأن نميّز بين ما يحدث فعلاً وما نخاف حدوثه، وأن نلاحظ الأنماط التي تتكرر في علاقاتنا وقراراتنا. وربما نكتشف أننا كنا نعرف كثيراً من الإجابات منذ البداية، لكننا كنا بحاجة إلى مساحةٍ آمنة نسمع فيها أنفسنا بوضوح، وإلى من يذكّرنا بأن ما نشعر به لا يجعلنا ضعفاء ولا مضطربين
ليست كل جلسة مريحة، ولن يحدث التغيير بمجرد أن نجلس على كرسي العلاج. بعض الأحاديث قد توقظ ألماً قديماً، وبعض الأسئلة قد تضعنا أمام جوانب من أنفسنا لا نحب رؤيتها. لكن الألم الذي نواجهه بوعي، يختلف عن الألم الذي يطاردنا في الخفاء. فالأول قد يقودنا إلى الفهم، أما الثاني فيظل يتحكم في تصرفاتنا من مكانٍ لا نراه
وطلب المساعدة لا يعني أن نتخلى عن مسؤوليتنا تجاه أنفسنا، بل أن نتحملها بصدق. لا أحد يطلب من المصاب بكسرٍ أن يعيد عظامه إلى مكانها بقوة الإرادة، ومع ذلك نتوقع أحياناً ممن أثقله القلق أو الحزن أن يتجاوز ما يشعر به بمجرد أن “يفكر بإيجابية”. بعض الأحمال تصبح أخف حين نتشاركها، وبعض الطرق تصبح أوضح حين يسير معنا شخصٌ يعرف كيف يضيء الأماكن التي اعتدنا تجنبها
قد تبدأ رحلة العلاج برسالةٍ مترددة، أو موعدٍ نكاد أن نلغيه، أو جملةٍ بسيطة نقولها للمرة الأولى: “أنا لست بخير، وأحتاج إلى المساعدة”. وربما تكون هذه الجملة، التي نخشى أن يسمعها الآخرون، هي أكثر ما نحتاج نحن إلى سماعه
فالعلاج لا يمنحنا حياةً خالية من العواصف
لكنه قد يمنحنا بوصلةً حين نضل الطريق
وشجاعةً كي نواصل المسير