الضجيج الذي يبدأ بعد منتصف الليل

في النهار، نحن نجيد الهرب. نملأ ساعاتنا بالعمل، والمواعيد، والمحادثات، والمهام الصغيرة التي تبدو عاجلة. ننتقل من شاشةٍ إلى أخرى، ومن ضجيجٍ إلى ضجيج، لكي نهرب مما يدور في داخلنا

لكن الليل لا يجيد المجاملة. فحين تُطفأ الأنوار، وتصمت الهواتف، ويغادرنا آخر عذرٍ للبقاء مشغولين، نجد أنفسنا وحيدين أمام أفكارٍ انتظرت طوال اليوم كي تحصل على دورها في الحديث

عندها يبدأ الضجيج

قد نذهب إلى الفراش منهكين، ونظن أن التعب كفيلٌ بأن يمنحنا نوماً عميقاً، لكن الجسد المتعب لا يعني بالضرورة عقلاً هادئاً. فما إن نضع رؤوسنا على الوسادة، حتى تبدأ الأسئلة التي أجّلناها، والمخاوف التي تجاهلناها، والذكريات التي أقنعنا أنفسنا بأننا تجاوزناها

نغمض أعيننا بحثاً عن الراحة، فتفتح عقولنا أبواباً قضينا النهار كله في محاولة إغلاقها

أحياناً، لا تأتي تلك المخاوف في صورة أفكارٍ واضحة، بل تتسلل إلينا عبر الأحلام. نرى من نحب في خطر، أو نجد أنفسنا عاجزين عن حمايتهم، أو نعيش أحداثاً لم تقع قط، لكنها تترك في صدورنا ألماً حقيقياً حين نستيقظ. فنحدّق في السقف وقلوبنا تخفق، ونسأل أنفسنا: لماذا الآن؟ لماذا تظهر كل هذه المخاوف في اللحظة التي نحتاج فيها إلى الراحة؟ وهل تصنع العتمة كوابيسنا، أم أنها تكشف فقط ما أخفاه ضوء النهار؟

لعل بعض الكوابيس لا تأتي لتخبرنا بما سيحدث في المستقبل، بل تخبرنا بما يحدث الآن في داخلنا بالفعل. قد تكون لغةً مرتبكة، لعقلٍ لم يجد فرصةً أخرى للكلام، أو صدىً لخوفٍ ظللنا ندفنه تحت طبقات الانشغال، حتى لم يعد قادراً على البقاء صامتاً

ولهذا نؤجل أحياناً موعد نومنا حتى تنهار أجسادنا تماماً. نتنقل بين الهاتف والتلفاز، أو نختلق مهمةً أخيرة لا بد من إنجازها، وكأننا نفاوض الليل على بضع دقائق إضافية بعيداً عن أنفسنا. لكن الأفكار التي نؤجلها لا تختفي، إنها تنتظر فقط أن يصبح العالم أكثر هدوءاً. ومع الوقت، ندمن الهروب من النوم، ليس لأننا لا نشعر بالتعب، بل لأن النوم يتطلب منا أن نتوقف، والتوقف قد يكون مخيفاً، حين نعرف أن شيئاً ما بداخلنا ينتظرنا

وقد لا تكون الشجاعة في أن ننتصر عليها كل ليلة، ولا في أن نجبر عقولنا على الصمت، بل في أن نصغي إليها دون أن نُصدّق كل ما تقوله. أن نعترف بخوفنا دون أن نستسلم له، وأن نطلب المساعدة حين يصبح حمله أثقل من أن نحمله وحدنا. فبعض المعارك لا تحتاج إلى مزيدٍ من المقاومة، بل إلى مساحةٍ آمنة نستطيع فيها أن نضع أسلحتنا جانباً

حين نتصالح مع ما نخافه في وضح النهار، لن يضطر إلى مطاردتنا في ظلام الليل

فالليل لا يصنع وحوشنا، إنه فقط يطفئ الأنوار كي نراها

Previous
Previous

هل أنت بخير؟

Next
Next

الهدوء الذي يعقب العاصفة