ما هو عذرك اليوم؟

من الغريب أن بعض الأشخاص يغيّرون حياتنا دون أن يقصدوا، ودون أن يوجّهوا لنا نصيحة واحدة

لا يلقون محاضرات تحفيزية، ولا يحدثوننا عن أسرار النجاح، ولا يحاولون إقناعنا بأننا قادرون على تحقيق أحلامنا. بل قد لا يعرفون أصلاً أنهم تركوا فينا أثراً. كل ما فعلوه أنهم عاشوا حياتهم بصورة طبيعية، لكننا كنا في المكان المناسب لنراهم

نحن جميعاً نحمل في أذهاننا صورة غير معلنة عمّا هو “ممكن” بالنسبة لنا، وصورة أخرى عمّا هو “ليس لنا”. هذه الصور لا تتكوّن من الحقائق وحدها، بل من تجاربنا، ومخاوفنا، وما اعتدنا أن نراه حولنا. ومع مرور السنوات، تتحول إلى حدود غير مرئية، حتى نظن أنها جزء من الواقع، بينما هي في الحقيقة مجرد تصورات لم يختبرها أحد

ثم يحدث شيء بسيط

ترى رجلاً تجاوز الستين من عمره، يركض بخفة لا تتوقعها، فتكتشف أن العمر لم يكن السقف الذي كنت تظنه

وتتعرف على طبيب مثلك، يعمل لساعات طويلة، ولديه أسرة ومسؤوليات لا تختلف كثيراً عن مسؤولياتك، ثم يخبرك، بكل بساطة، أنه أنهى عشرة سباقات ماراثون. لا يقول لك أنك تستطيع، ولا يحاول إقناعك بشيء، لكنه يتركك وحيداً أمام سؤال مزعج: إذا استطاع هو… فما الذي يمنعني أنا؟

ثم تقابل شخصاً آخر بدأ متأخراً، أو عاش ظروفاً أصعب من ظروفك، أو حمل من الأعباء أكثر مما تحمل، ومع ذلك وصل إلى المكان الذي كنت تظنه بعيداً جداً عليك

وهكذا، دون أن تشعر، لا تتغير حياتك… بل تسقط أعذارك، واحداً تلو الآخر

وربما لهذا السبب نحتاج إلى القدوات أكثر مما نحتاج إلى النصائح. فالنصيحة تخبرك بما يمكنك أن تفعله، أما القدوة فتغيّر تعريفك لما كنت تظنه ممكناً أصلاً. إنها لا تهزمك، ولا تنافسك، بل تهدم بهدوء واحداً من الجدران التي بنيتها داخل عقلك. ولعل هذا ما يجعل الأشخاص الذين نحيط أنفسنا بهم أكثر تأثيراً مما نظن؛ فهم لا ينقلون إلينا عاداتهم فحسب، بل يعيدون رسم حدود الممكن في أذهاننا

إذا أردت أن تتخلص من أحد أعذارك، فلا تبحث عن شخص خارق، بل ابحث عن شخص يشبهك

يشبهك في العمر

أو في المهنة

أو في المسؤوليات

أو في الظروف

لأنك كلما وجدت شخصاً يشبهك، وقد فعل ما كنت تعتقد أنه مستحيل بالنسبة لك، سقط عذر من أعذارك

ثم يبقى أمامك سؤال واحد

ما هو عذرك اليوم؟

Next
Next

الجولة التي حسبتَها الأخيرة