الجولة التي حسبتَها الأخيرة

بعد أن تحقق هدفاً كنت تظنه مستحيلاً، تتوقع أن تشعر بالقوة والثقة، وأن يهدأ ذلك الصوت الذي ظل يشكك فيك طوال الطريق. لكن الغريب أن ما يحدث أحياناً هو العكس تماماً. تجلس مع نفسك بعد الإنجاز، فتبدأ الأفكار بالظهور من جديد، بهدوء هذه المرة، وكأنها جاءت لتمنحك نصيحة صادقة

تقول لك: “يكفي…”، “لا تبالغ”، “أنت لم تعد قادراً”، “اعرف حدودك”. يبدو الكلام منطقياً جداً، وحكيماً جداً، بل وناضجاً إلى درجة يصعب الاعتراض عليه. حتى تكاد لا تلاحظ أن المتحدث الحقيقي ليس الحكمة، بل الخوف

الخوف لا يأتي دائماً على هيئة قلق أو ارتباك أو رغبة واضحة في الهروب. بل يتحدث إليك بلغة العقل أحياناً، ويرتدي ثوب الحكمة، ويقدّم لك قائمة طويلة من الأسباب المقنعة التي تدعوك إلى التراجع. يقنعك أن الاكتفاء فضيلة، وأن التوقف قرار ناضج، بينما يكون في الحقيقة خائفاً من أن تحاول مرة أخرى، وخائفاً أكثر من أن تفشل

المفارقة أن كثيراً من الإنجازات التي نفخر بها اليوم لم تبدأ بثقة كاملة. لم نكن متأكدين أننا قادرون على النجاح عندما بدأناها. سجّلنا في السباق قبل أن نقتنع، وتقدمنا للفرصة قبل أن نشعر بالجاهزية، وقلنا “نعم” بينما كان جزء منا يريد أن يقول “لا”. ومع ذلك، اكتشفنا لاحقاً أن قدراتنا كانت أبعد بكثير مما رسمته مخاوفنا

لهذا لا أعتقد أن السؤال الأهم في مثل هذه اللحظات هو: “هل أستطيع؟”. السؤال الحقيقي ربما يكون: “من الذي يتحدث الآن بداخلي؟”، هل هي الحكمة فعلاً؟ أم أنه الخوف وهو يرتدي ملابس الحكمة؟

أحياناً لا تحتاج إلى شجاعة استثنائية، ولا إلى قرار مصيري. كل ما تحتاجه هو أن تميّز بين الصوتين. عندها فقط تستطيع أن تعرف إن كان الوقت قد حان للتوقف حقاً… أم أن في القلب جولاتٍ أخرى لم تُركض بعد

Next
Next

قبيلتك التي لم تكن تعرف أنك تبحث عنها